بينات من فقه القرآن.. منهجية جديدة في عالم التفسير

alnoor

بينات من فقه القرآن

منهجية جديدة في عالم التفسير

 

اسم الكتاب: بينات من فقه القرآن.

المؤلف: المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله).

الطبعة: الأولى، 1431هـ / 2010م ، 258 صفحة.

الناشر: مركز العصر للثقافة والنشر.

.

بصدور كتاب بينات من فقه القرآن للمرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) في عام 1431هـ قد أضيفت للمنهجيات القرآنية في التفسير منهجية جديدة، يمكن وصفها بالنضج والعمق والتقدم خطوات نحو المزيد من المعرفة القرآنية.

لا يمكن أن نكتشق كتاب (بينات من فقه القرآن) بشكل مستوعب إلا إذا سلطنا الضوء على تفسير (من هدى القرآن) لنفس المؤلف، فلقد صدر تفسير من هدى القرآن ككتاب يفسر القرآن بأجزائه الثلاثين، في ثمانية عشر مجلداً في قبل ما يقارب الثلاثين عاماً، وقد صدر بترجمته الفارسية كذلك، ومن ثم صدر بحلة جديدة في العام 1430هـ في اثني عشر مجلداً.

المؤلف سماحة المرجع المدرسي هو فقيه قرآني متبحر، فلا تكاد ترى كتاباً من مؤلفاته إلا ويمكنك أن تعتبره تفسيراً موضوعياً، ولكنه جرى في تفسير من هدى القرآن مجرى التفاسير السائدة التي فسرت القرآن الكريم من بداية آياته وحتى نهايتها. وقد اعتمد منهجية (التدبر في القرآن) التي وضع أسسها ومنهجيتها في كتاب تحت عنوان (بحوث في القرآن الحكيم) واشتملت مقدمة التفسير على تلك المنهجية الرائدة، والتي بفعلها أصبح التفسير يلقي بظلاله على النفس تربوياً ورسالياً، حيث سلط الضوء على الأبعاد التربوية والإصلاحية والرسالية في الآيات المباركة، للوصول إلى صياغة الفكر الرسالي والمجتمع الرسالي والشخصية الرسالية.

            منهجية تفسير (من هدى القرآن) اعتمدت على مبدأ الوحدة الموضوعية للسورة، بحيث يحدد (الإطار العام) للسورة، ثم يسعى لتقسيمها إلى مواضيع متعددة، وهي بدورها تتصل فيما بينها بصلة موضوعية، ويلقي الضوء في بداية كل قسم على الموضوع بشكل عام، ثم يشرع في التفصيل مستنطقاً الآيات بشكل مباشر. هذه هي المنهجية العامة ولسنا بصدد الحديث عن الخصائص التفصيلية لتفسير من هدى القرآن الكريم، ولكنها إطلالة سريعة لنعي موضعية المنهجية الجديدة في كتاب (بينات من فقه القرآن).

            (بينات من فقه القرآن) الذي صدر منه أربعة أجزاء لحد الآن، هو عبارة عن مشروع لتفسير جديد للقرآن الكريم، وعرضنا سيأخذ الجزء الأول الذي يشتمل على تفسير سورة النور كاملة على سبيل المثال لبقية الأجزاء، ولعل أول ما يمكن أن يطرأ من تساؤل على الذهن ونحن نقف أمام هذا الإصدار، هو: مالذي يميز التفسير الجديد عن التفسير السابق له؟

            الإجابة على هذا التساؤل هي التي ستعرفنا على الكتاب بوضوح أكبر.

            فالكتاب ليس هو تكرار للتفسبر، ولا تكرار للمنهجية، ولا تكرار للمقاصد، فهناك اختلاف في كل تلك الجوانب مع التجربة السابقة، فالمطلع عليه يجد أن المؤلف اتبع منهجية جديدة، هي منهجية إضافية تمكّن المفسر من الغوص في تخوم الآيات المباركة للنهل من بصائرها بشكل أعمق، فبعد أن مارس المرجع المدرسي عملية تفسير القرآن في تجربة (من هدى القرآن) جعل محور أحاديثه في الفلسفة والفقه والأصول والمجتمع والسياسة هي آيات القرآن الكريم، كما ذكر في مقدمة الكتاب، وهو بذلك يتقدم في التعمق في القرآن الكريم، ويقول في مقدمة الكتاب (ولا زلت في الخطوة الأولى من طريق ممتد لا ينتهي، وأعتقد جازماً أن المسافة بيننا وبين كتاب ربنا تتوسع، أوليس فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وأن علينا أن نكدح إلى ربنا كدحاً لنلاقيه، وقد تقترب منه بفضله ولكن لن نصل إليه، لأننا نحن المخلوقون وهو ربنا تعالى الخالق).

خصائص المنهجية

1/ الناحية الموضوعية

لقد تخصص التفسير في البحث عن السنن الإلهية التي تحتويها الآيات، وهكذا جاء تعريف الكتاب على غلافه بأنه (دراسة قرآنية تعتمد استنباط السنن الإلهية من آيات الذكر الحكيم)، وهذا ما كان جلياً في الكتاب حيث حافظ المؤلف على هذه المنهجية التي جعلها مقصده الأساس من هذا التفسير، والسنن الإلهية هي تلك القوانين العامة التي تحكم حركة الإنسان وحركة الظواهر الطبيعية وحركة المخلوقات بشكل عام، وبما أن موضوع سورة النور هو موضوع اجتماعي يعالج قضايا المجتمع والأسرة والعلاقات العامة بين الناس، فإن السنن التي تناولها التفسير هي تلك التي ترتبط بحركة المجتمع والتي تشكل أسسه ومنطلقاته وجوهر شخصيته وسماته الأساسية، وكل ما يرتبط به من علاقات بالآخر وبالإيمان، وقد جاءت عناوينه على سبيل المثال كالتالي: (التجاذب في الخليقة)، (الأسرة أساس المجتمع)، (أثر العقوبات في تحصين الأسرة)، (مسؤولية الأمة تجاه المؤامرات)، (كيف يزعزع القذف الأمن الاجتماعي)، (المنافع هدف الأبنية العامة)، (لكي يبقى المجتمع طاهرا).

ولأنه يبحث في السنن، فقد ركّز الحديث على الإستنباط من آيات القرآن الكريم على القوانين العامة التي تحكم حركة الإنسان، دون الإسهاب في الأمثلة ودون التفصيل في الموضوعات، بل سلط الضوء على القواعد والقوانين العامة، مثل موضع (الرأفة) يقول فيها: (الرأفة تهدف إصلاح العلاقات الاجتماعية، ليزداد الناس تماسكاً. أما الذين يفسدون هذه العلاقات باختراق قواعدها، فإن الرأفة بهم تزيدهم غياً وفساداً). فيكتفي بهذا المقدار من البيان ليطلق العنان للباحث في التفصيل والمطابقة على الواقع.

ومن هنا يمكن أن نفهم كلمة الفقه التي جاءت في عنوان الكتاب (من فقه القرآن)، فإن المقصد هو التركيز على العناوين العامة والسنن التي تكون منطلقاً ومحوراً وأصلا للكثير من الفروع والتفصيلات والتطبيقات.

2/ التقسيم

السورة لها موضوعها العام الذي تعالجه، وكل ما تأتي على ذكره فهو ذو علاقة بالموضوع الأساس، وإن قسمت إلى موضوعات متباينة، وفي تفسير (بينات من فقه القرآن) اعتمد المؤلف على تناول كل آية على حدة، فاعتبرها هي القسم الموضوعي الذي يتناوله بحثاً، فيستنبط منه السنن التي تختزلها، فيعرض كل آية ثم يسوق الحديث فيها عن الموضوع، ولهذا جاءت مواضيع الكتاب بعدد آيات السورة، وهذه ميزة مهمة في المنهجية، حيث بانت القدرة على الإستنباط من الآية الواحدة بشكل موضوعي، وبما يدعم الهدف من الكتاب، أي الجانب السنني.

ولم يخل ذلك التقسيم الكبير الذي هو بعدد آي السورة من الإشارة إلى الرابطة الموضوعية بين الآيات، حيث يبينها بشكل مباشر في العديد من الأحيان، وفي أكثر الأحيان يترك الإشارة إليها صراحة، إلا أنها تكون بينة باعتبار التناول الموضوعي وتظهير المعنى المنسجم مع السياق السابق، كأن يتحدث عن بعض الذنوب في آية، ثم يتحدث عن العفو ويركز الحديث على الخروج من الذنب بالعفو، أو يذكر المشكلة الاجتماعية في آية ويستنبط سننها كإشاعة الفاحشة مثلاً، ثم يتناول في آية أخرى العلاج لتلك المشكلة ويبين السنن العامة فيها.

ولا يترك المؤلف الإشارة إلى الترابط بين الآيات في بعض الأحيان صراحة، بل وبيان علاقتها بموضع السورة الأساس، فمثلاً حينما يتناول آية (47) يقول: (هذه منظومة من الآيات تتكون مع التي سبقتها اثنتي عشرة آية تذكر بالطاعة للرسول، وأنها ركن أساس للإيمان. فما هي الصلة بينها وبين إطار السورة، ولماذا نفى السياق إيمان من يتولى عن الطاعة؟).

فمن هنا قد يكون الإجابة على التساؤل الرابط هو التفسير للآية المراد تفسيرها، فيعدد أسباب الترابط ويبين حكمة (الموضع) في السياق، فتظهر لنا مجموعة من البصائر الجديدة.

3/ التدبّر

اعتمد المؤلف في الإستنباط من الآيات واستنطاقها منهج التدبر القرآني، عبر استثارة العقل بالتسالات المباشرة، ففي أغلب الآيات (المواضيع) يبدأ بتساؤل يفاجئ به العقل، ليستحثه في الإجابة، باعتبار أن السؤال مفتاح العلم كما في الروايات الشريفة عن أهل البيت (ع)، وكما جاء الأمر من أهل البيت (ع) باستنطاق القرآن الكريم، كما ويستمر المؤلف في إلقاء التسالات في أثناء الموضوع، فعلى سبيل المثال، يبدأ تفسير الآية الثالثة من السورة بالتساؤل: (هل النكاح هو الزواج، أم أنه هنا تعبير عن الممارسة الجنسية ذاتها؟ وهل الآية في معرض بيان حكم شرعي، أو سنة إلهية؟).  وفي الآية الخامسة مثلاً يقول: (بالرغم من خطورة الذنب، وفظاعة آثاره الاجتماعية، تطوي التوبة صفحته وتغسل عاره وشناره. كيف؟).

أما الجانب الآخر من منهجية التدبر هي نوع الأسئلة التي يطرحها المؤلف، فهي ليست أسئلة عن معنى الكلمة أو معنى الآية، إنما التساؤلات جاءت خادمة لمقصد المنهجية العامة وهي السننية في التناول، فلا يأتي التسال مالذي تعنيه هذه الآية، بل مالذي تفضي إليه، ولماذا جاء السياق بهذا الموضع؟ وماهي فوائد هذا الحكم؟ وماهي الصلة بين هذا الموضع وذاك؟ وماشابه ذلك، فعلى سبيل المثال جاء تساؤل في الحديث عن (ِإن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (ماهي الصلة بين العقائد الدينية ومن أبرزها التوحيد والعدل، وبين هذه الأحكام؟)، و تساؤل حول اللعنة (لماذا اللعنة؟)، وتساؤل في آية (ولولا فضل الله عليكم ورحمته): (ماذا ستصبح حياتنا من دون فضل الله ورحمته؟).

            فهذه التساؤلات تستدعي إجابات تظهر ماوراء الآية، فيستظهر المعاني العميقة والملازمة، ليستخرج تلك السنن التي تحكم مسيرة الإنسان، والتي إن وعاها فقد أوتي الحكمة (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً).

4/ أسلوب العرض

اعتمد المؤلف على أسلوب مميّز في عرض الفكرة وتناول الآيات، إضافة إلى التقسيم الذي جعل فيه كل آية قسماً خاصاً وتحت عنوان خاص بها، يشرع بعد ذلك بالتساؤل والإثارة التي يدخل بها في الموضوع بشكل مباشر ودون مقدمات أو إطالة، فيعرض الأفكار على هيئة نقاط أو تقسيمات مترابطة، ثم وتحت عنوان موحد في نهاية كل آية وهو (بصائر وأحكام) يستخلص السنن ويظهرها على هيئة عبارات موجزة ومعبرة.

فكل قسم من الكتاب يحتوي على أربعة أقسام هي (عنوان الموضوع) ثم (الآية موضوع البحث)، ثم (المتن : والذي يحتوي على التساؤلات والاجابات المرتبة)، ثم (بصائر وأحكام: وهي صياغة السنن بعبارات قصيرة وواضحة). كما أن الكتاب احتوى على هوامش في طرفي الصفحات، مودعة في مربعات نصية، فيها عبارات مهمة، ملخصة من المتن، هدفها التلخيص والتذكير بالمهم من الأفكار.

من مؤلفاتنا