المرحومون حتماً

sm122كلّ استحقاق يحتاج إلى جهد وكل نتيجة لابد أن تمرّ بمقدمات، ورحمة الله عميمة قد وسعت كل شيء، ورأفته رقيقة قد تخلّلت كل شيء، ولكنها لا تُكتب لعبد بالمجّان، ولا تنال المُنكر والمرتاب، وذلك لكي لا يستوي المفسد والمصلح، ولا المحسن والمسيء.

إلا أن لطف الله الحاني، ورأفته الدافئة، اقتضت أن تُخجل العباد بفيض الرّحمة النازل عليهم من ربهم عزّ وجل، وما ذلك إلا لكي يستقبلوها كما تستقبل الأرض ماء السماء، فتُحيى قلوبهم وتُنبِت كما تُنبت الأرض من كل زوج بهيج.

قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}. (سورة الأَعراف 156)

فمن الرحمة التي تُكتب، ما تُثبَت بالتقوى العبادية في مختلف شؤون الحياة، ومنها ما يُكتب للمنفق في سبيل الله، كما أن منها ما هو متعلّق بالإيمان، فالذين تمسّكوا بالانتماء للرسالة المحمّدية الخالصة، تسعهم رحمة الله تعالى دون الاضطرار لجهد غير ما ثبتوا عليه من عقيدة، ألم يقل الله تعالى عن نبيّه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}؟

ومن مظاهر رحمة الله هذه أنّه جعل شهر رجب الأصبّ بالرحمة في التكوين والتشريع.

فعن الإمام الصادق (ع): وَ سُمِّيَ شَهْرُ رَجَبٍ‏ الْأَصَبَ‏ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ تُصَبُّ عَلَى أُمَّتِي فِيهِ صَبّا.

وهو منّ عظيم مَنّ الله تعالى، ورأفة فيه ظاهرة في إهالة الرحمة على عباده في هذا الشهر الفضيل.

فالصبّ إنما ينسكب من أعلى إلى أسفل كما يتقاطر المطر على الأرض دون جهد وتعب، كما في قول الله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا}. (سورة عبس 25)

 بخلاف استنباط الماء الذي يبذل فيه الإنسان جهداً وعناءً ليستخرجه من جوف الأرض، فالصّب إذاً تيسير لنزول الرّحمة على العباد.

ولذلك ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) في الدعاء لطلب الرّزق من الله تعالى بأن يكون على نحو الصبّ دون جهد وكدّ، في قوله (ع):

(اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ الْوَاسِعِ الْحَلَالِ الطَّيِّبِ رِزْقاً وَاسِعاً حَلَالًا طَيِّباً بَلَاغاً لِلدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ صَبّاً صَبّاً، هَنِيئاً مَرِيئاً مِنْ غَيْرِ كَدٍّ وَلَا مَنٍّ مِنْ أَحَد خَلْقِكَ إِلَّا سَعَةً مِنْ فَضْلِكَ الْوَاسِعِ).

وما يذهل الألباب في هذه الرّحمة الرجبية المصبوبة على العباد، هو أن الله تعالى قد حدّد أماكن وهيأ منازل وعيّن بيوتاً أذن أن يُذكر فيها اسمه، فيستحقّ العباد رحمة الله لكونهم شدّوا رحلهم نحوها، وركنوا إليها، وذلك لقداسة المقام تكويناً وتشريعاً.

إلا أنه في شهر رجب قد تعلّق صبّ الرّحمة بالزّمان وهو شهر من شهور السّنة، فهل يمكن أن يخرج العبد من دائرة الزمان هذه؟ كلا، فهو شهر مشهود لكل مؤمن تنفّس فيه، وهنا الشاهد الآخر على عظيم رحمة الله، وسعة رأفته بعباده.

وهذه الرأفة الحانية من شأنها أن تنفض عن قلوبنا حُجب الغفلة، وتزيح عن جوارحنا آثار الكسل، وتُميط عن عقولنا أستار الجهالة، فنشكر صنيع الله تعالى بتوسعة الأوعية التي تستقبل تلك الرحمة المصبوبة بأكثر ما نستطيع، ومما ما يمكن فعله في هذا الشهر الفضيل لنيل المزيد من تدفّق الرحمة الإلهية، هو صيام بعضه، وأداء فرضه، والقيام بورده.

السيد محمود الموسوي

www.mosawy.com

1444هـ

من مؤلفاتنا